عين الخليل

الشهيد القسامي /حامد نجاتي يغمور

الساعة 11:45 ص بتوقيت القــدس

الشهيد القسامي /حامد نجاتي يغمور

حياته كلها جهاد

لقد سطر شعبنا المجاهد في انتفاضة الأقصى الكثير من البطولات التي حاكت بقوتها صور من إبداع صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهنا نقف اليوم أمام صورة أخرى صنعها أبناء شعبنا المجاهد .. هي صورة بطولة شهيد قسامي، قضى حياته في صفوف الجهاد والعمل في صفوف كتائب الشهيد عز الدين القسّام، بالضفة المحتلة .

إشراقة النور

هو قدر الله تعالى، إذ اقتضت حكمته الباهرة ومشيئته العظيمة أن يولد الشهداء ويعيشون في مهدهم حياة المعاناة الممتزجة مع البطولة والألم المدفوع بالأمل، وسريعاً يمضون إلى الله بعد سنوات من جهادهم وعطائهم، وهذا ما كان مع شهيدنا المجاهد ...

أشرق نور (حامد نجاتي حربي يغمور) على الدنيا في الرابع من شهر يوليو عام 1971م، حيث تفتّحت عيناه على كروم العنب في موسم قطف ثمرات الأرض المباركة، هناك في قلعة الجهاد العريقة، مدينة خليل الرحمن جنوب الضفة الغربية.

ولد حامد في أكناف أسرة متدينة عريقة، يسكنها حب الوطن والمقدّسات، وعاش طفولته بين شوارع وأزقّة الخليل في حارة من حاراتها الشهيرة بمقاومتها إبان الانتفاضة الفلسطينية الكبرى التي اندلعت نهاية عام 1987م.

سمت الشهداء

"ويتخذ منكم شهداء" .. هي سنّة الاصطفاء والاتّخاذ والاختيار، ولا يرشّح لها سوى أولي العزم من المؤمنين، وهكذا نحسب حامداً، أحبّه كلّ من عرفه، هكذا يقول أصدقاؤه، ويضيفون: إنّه الطيّب المؤمن صاحب الخلق الرفيع والحياء الإيماني، كان متّزنا لا يتردد سوى إلى ثلاثة أماكن؛ بيته وعمله ومسجده، وكثيراً ما تناهت إلى مسامع والده عبارات الثناء عليه من قبل أصدقائه الذين غبطوه على انكبابه على العمل والعبادة وطاعته لوالديه وإرضائه لهما، أما أكثر من يذكر حامداً بألم وغصّة في القلب فهم أولئك الأطفال من جيرانه، كيف لا وعيناك لا تلمح الشهيد الحيّ إلا مصافحا لأحدهم أو ممازحاً لآخر أو موزّعاً الحلوى عليهم وهم يصطفّون مشيّعين له بابتساماتهم البريئة ..

أحبّ حامد الخليل بكل تفاصيلها إلاّ شيئاً واحداً كرهه حامد وأبغضه وثار في وجهه، إنه الوجه الغريب الكالح، إنه الاحتلال الصهيوني البغيض الجاثم في قلب مدينة الخليل الطاهرة..

شبل الانتفاضة

انتفض حامد على الاحتلال مع انتفاضة الشعب الفلسطيني الأولى، وكانت انتفاضته عن وعي وفكر سديد، فكثيراً ما كان يردد عبارات النصح للشباب في سنّه، بأن الخلاص من الظلم الصهيوني لا يأتي عبر بوابة الشرق أو الغرب وإنما من بوابة المسجد ومن مدرسة الإيمان، وما أن تصاعدت نشاطات الانتفاضة حتى كان دائماً في المقدمة، بل لقد صار معروفاً ومألوفاً في مدينة الخليل أن يوم عطلة عمال الأحذية هو أكثر أيام الانتفاضة رجماً للاحتلال بالحجارة وتصعيداً لرفض الوجود الصهيوني على أرض الإسلام.

ومثلما كان الشهيد حامد في مقدمة المنتفضين كان من أوائل الأشبال في معتقل النقب وهو في الثالثة عشرة من عمره ، حيث أعتقل عدة مرات على اثر نشاطه في مقاومة الاحتلال.

انعطافة هامة

وفي تاريخ 24/ 4/ 1994 أعلنت قوات الاحتلال اسم حامد كأحد المطاردين المطلوبين على حدّ وصف الصهاينة، سأل الجميع عن السبب فلم يجدوا جواباً شافياً، فقد تغيّرت حياة حامد منذ ذلك التاريخ وخرج بنفسه ولم يعد حتى أهله يعرفون الكثير عنه، يمرّ سريعاً كالطيف ثم يختفي، فعلم الوالد أنّ ابنه البارقد اختار طريق ذات الشوكة، ومضى نحو الشهادة كإخوانه المطاردين الذين حملوا أرواحهم على أكفّهم وأصبحوا هم من يطارد الاحتلال بعملياتهم وجهادهم وضرباتهم الموجعة للعدو، وصار هؤلاء المطاردون كابوساً يلاحق الصهاينة أينما حلّوا..

وحدة الأهوال

أخذت صور كل من مجاهدي القسام (جهاد غلمة وطاهر قفيشة وحامد يغمور) مكاناً في كل جيب عسكري صهيوني يخدم في الضفة الغربية، ومعلقة بشكل دائم في مواقع الجيش الصهيوني في منطقة الخليل، فما الذي حدث؟

إنّها الوحدة القسامية المختارة التي عُرفت بـ (وحدة الأهوال) والتي بدأت جذورها على يد القائد الشهيد عماد عقل، وبعد أن استلم المهندس يحيى عياش زمام القيادة العسكرية أعاد تشكيل الوحدة تحت اسم (وحدة الدفاع عن المدنيين الفلسطينيين).

إنها البطولة بكل أبعادها، والجهاد بكل مضامينه، والرجولة بكل معانيها، فحياتها كلها جهاد، ووقت مجاهديها كله جهاد ومقاومة، واسم قائدها جهاد (جهاد غلمة) ويكفي هذه الوحدة فخراً، أنها حققت ذلك الوعد الإلهي الذي يؤكد حقيقة (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله).

وأضحت مصدر رعب لكل صهيوني في منطقة عملياتها، فأربكت حسابات جيش العدو الصهيوني الذي خاض مع مخابراته مطاردة شرسة وراء هذه الخلية القسامية التي تتألف من مجموعة من المجاهدين الربانيين الذين عجزت عن مضاهاة قوتهم الروحية كل جيوش الكفر، فمضت هذه الوحدة لتطيح برؤوس الجنود الصهاينة وتتنقل من منطقة لأخرى، حتى وقف الضابط الصهيوني الكبير (برتبة ميجر جنرال) ايلان بيران قائلاً: "إننا نخوض صراعاً ضد هذه الخلية الصعبة جداً، ولكننا سننال منها مهما كانت المهمة صعبة وسنطاردها حتى ننجح "، قال هذه الكلمات بعد أن ضربت وحدة الأهوال ضربتها الموجعة في عملية الحافلة 106 قرب مفترق القزازين، واستمرت عمليات هذه الخلية المباركة، وكانت عمليات نوعية ومحكمة أسفرت في مجموعها عنمقتل وإصابة اثنين وعشرين جندياً ومغتصباً.

معركة الشهادة

صغار في أعمارهم، هكذا يقول الناس، لكن لفظ (الصغار) لا يتناسب أبداً مع شهداء القسّام حتى ولول كان لفظاً عربياً مجرّداً، إنهم الكبار بكل ما تحمله الكلمة من معنى، كبار بأفعالهم وجهادهم، كبار بتضحيتهم بأنفسهم من أجل دينهم ووطنهم، كبار بنفوسهم العظيمة وقلوبهم العامرة، فكيف لهؤلاء الكبار أن يعرفوا الاستسلام أو الخضوع لقهر المحتل وعربدة أقزام يهود..

 في تلك الليلة المظلمة بالاحتلال، ليلة 02/ 06/1995م جرت المعركة، نعم إنها معركة بمفهوم الندّية بين المقاوم والغاصب، لكنّها معركة لا معنى فيها للتكافؤ أو التوازن، إنها معركة بين جيش وفرد، جيش مدجج بكافة الأسلحة وفرد مدجج بالإيمان واليقين والقليل من العتاد، وفي التفاصيل فقد دفع جيش الاحتلال الصهيوني بمئات من جنوده مدعومين بكل أنواع الأسلحة وأحاطوا بالبيت الذي ينزل فيه حامد من جهاته الأربع، وكان الليل قد قارب على الانتصاف.

وما أن أدرك حامد أن البيت محاصر حتى حزم أمره على خوض معركة الاستشهاد حتى آخر طلقة، وآخر نفس، وآخر قطرة دم في عروقه، في مشهد شخصت إليه أبصار الأصدقاء والأحباب الذين راقبوا عن بعد ما يجري، ولا يكادون يصدّقون ما يحدث، جيش بأكمله يحاصر جندياً واحداً ويشتبك معه لساعات طويلة، كما ذُهل قادة العدو وهم يرقبون مشهد الصمود والثبات منقطع النظير.

أما بطل المشهد حامد فرفض بإصرار عرض بعض سكان المنطقة تسليم نفسه، وطلب من المدنيين ان يغادروا حفاظاً على حياتهم، وما أن غادر السكان البناية حتى اعتلى حامد السطح وتحصن في ركن من أركانه وبدأ يطلق النار وهو يردد بصوت عال: "الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر".

واستمرت المعركة بين جندى قسامي شامخ وبين مئات من جنود البغي والظلام أكثر من ثماني ساعات !! ولم تنته المعركة إلا بعد أن استخدم الصهاينة زخات كثيفة من الصواريخ المضادة للدبابات تجاه البيت فدمروه، وارتقى حامد شهيداً وسقط على صدر الأمة وساماً خالداً من أوسمة الفخر والمجد والبطولة معيداً إلى هذه الأمة مشهداً من مشاهد العزة طالما تاقت إليه.

شهادة العدو

تأتي شهادة العدو معبّرة عن مدى الوجع والإحباط الذي أصاب جنودهم الجبناء بفضل الله الذي كتب عليهم المذلة والمسكنة، ثم بفضل ضربات المجاهدين أمثال حامد يغمور، الذي جاء على ذكره الجنرال الصهيوني شموئيل غورين (القائد السابق للضفة الغربية)، حيث قال لصحيفة عبرية ما نصّه: "لم يكن حامد يغمور هو الوحيد الذي رفض الاستسلام بالرغم من أنه يعلم أنه لن يخرج من البيت حياً، كان جميع مقاتلي الجناح العسكري لحركة حماس يفضلون المقاومة حتى الموت على الاستسلام، إنه لأمر غريب وعجيب أن يبدي مقاتلو حماس هذه الإرادة القوية والعناد الكبير عندما يُحاصرون بالدبابات والجنود وتحلق الطائرات فوق رؤوسهم ومع ذلك لا يستسلمون، وإنه حقاً لشيء يثير الإعجاب أن يقاوم مقاتل ويصمد لأكثر من 12 ساعة في مواجهة مئات الجنود المزودين بأحدث الأسلحة والمعدات".

 ويضيف الجنرال الصهيوني: "لقد تحول هؤلاء المقاتلون إلى أسطورة في نظر قادة الجيش وجهاز الشاباك، بل لقد اهتزت المعنويات في صفوف الجنود لليأس من القضاء على هؤلاء، إذ أن مهمة البحث عن ما يقارب العشرين مطارداً من حماس تتطلب أكثر من 3000 جندي بالإضافة إلى المجهودات التي يستثمرها جهاز المخابرات وعملاؤه في جمع المعلومات الاستخبارية عنهم".

 ويختتم القائد السابق للضفة الغربية حديثه بتحذير الجمهور الصهيوني قائلاً: "إن العقيدة التي تحرك هؤلاء قوية وتمنعهم من الخضوع والاستسلام ودولة الاحتلال لم تجرب مواجهة مثل هذا النوع من المقاومة، وعلى الصهاينة أن يتريثوا ولا يبالغوا بالفرح عند تصفية فرد من هؤلاء الإرهابيين" وفق قوله.

رحم الله شهيدنا حامد، وأسكنه الفردوس الأعلى مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا

المصدر / عين الخليل